المقريزي

130

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

سمعت كلامه وما يريده منك . وكنت بعقب علّة ضعيف البدن ، فقلت : ما أقدر أمشي ، فقالوا : اكتر حمارا تركبه . ولم يكن معي ما أكتري به حمارا ، فنزعت تكّة سراويلي من وسطي ودفعتها على درهمين لمن أكراني الحمار ، ومضيت معهم فجاءوا بي إلى دار أبي زنبور ، فلمّا دخلت قال لي : أنت ابن عقيل ؟ فقلت : لا يا سيّدي ، أنا غلام في حانوته ؛ قال : أفليس تبصر قيمة الخشب ؟ قلت : بلى ؛ قال : فاذهب مع هؤلاء فقوّم لنا هذا الخشب ، فانظر بحيث لا يزيد ولا ينقص . فمضيت معهم ، فجاءوا بي إلى شطّ الحمراء « a » « 1 » إلى خشب كثير من أثل وسنط جاف ، وغير ذلك ممّا يصلح لبناء المراكب ، فقوّمته تقويم جزع حتى بلغت قيمته ألفي دينار ؛ فقالوا لي : انظر هذا الموضع الآخر فيه من الخشب أيضا ؛ فنظرت فإذا هو أكثر ممّا قوّمت بنحو مرّتين ، فأعجلوني ولم أضبط قيمة الخشب . فردّوني إلى أبي زنبور ، فقال لي : قوّمت الخشب كما أمرتك ؟ ففزعت ، فقلت : نعم ؛ فقال : هات كم قوّمته ؟ فقلت : ألفا دينار ؛ فقال : انظر لا تغلط ؛ فقلت : هو قيمته عندي ؛ فقال لي : فخذه أنت بألفي دينار ؛ فقلت : أنا فقير لا أملك دينارا واحدا ، فكيف لي بقيمته ؟ قال : ألست تحسن تدبيره وتبيعه ؟ فقلت : بلى . قال : فدبّره وبعه ، ونحن نصبر عليك بالثّمن إلى أن تبيع شيئا شيئا وتؤدّي ثمنه ؛ فقلت : أفعل . فأمر بكتاب يكتب عليّ في الدّيوان بالمال ، فكتب عليّ ، ورجعت إلى الشّطّ أعرف عدد الخشب ، وأوصي به الحرّاس . فوافيت جماعة أهل سوقنا وشيوخهم قد أتوا إلى موضع الخشب ، فقالوا لي : إيش صنعت ، قوّمت الخشب ؟ قلت : نعم ؛ قالوا : بكم قوّمته ؟ فقلت : بألفي دينار ؛ فقالوا لي : وأنت تحسن تقوّم لا يساوي هذا هذه القيمة . فقلت لهم : قد كتب عليّ كتّاب في الدّيوان وهو عندي يساوي أضعاف هذا ؛ فقالوا لي : اسكت لا يسمعك أحد ؛ وكانوا قد قوّموه قبلي لأبي زنبور

--> ( a ) بولاق : البحر . ( 1 ) حاشية بخط المؤلّف : « شط الحمراء هو اليوم ما في جنب الخليج حيث الموضع الذي يعرف بالمريس » . والمريس موضع غرب الخليج بجوار منشأة المهراني كان موضعه بستان الخشّاب ( فيما يلي 157 ، 164 و 537 ه 3 ) .